التقويم الاقتصادي للأسبوع المقبل حافل بإصدارات مهمة من المتوقع أن تثير تقلبات قوية في زوج اليورو/الدولار الأمريكي (EUR/USD). سيتجه التركيز بشكل أساسي إلى بيانات التضخم في الولايات المتحدة وسوق العمل الأمريكي.
بيانات الوظائف غير الزراعية لشهر فبراير جاءت أضعف من المتوقع، وهو ما شكّل مفاجأة غير متوقعة للمضاربين على صعود الدولار، إلا أن توقعات السوق بشأن الخطوات المستقبلية للاحتياطي الفيدرالي لم تتغير كثيرًا. لا يزال المتداولون يعتقدون أن البنك المركزي سيُبقي جميع معايير السياسة النقدية دون تغيير في اجتماعاته الربيعية، بينما لا تزال احتمالات خفض سعر الفائدة في يونيو تُقدَّر بنحو 30-35%، وفقًا لأداة CME FedWatch. بعبارة أخرى، ما زالت التوقعات «المتشددة نسبيًا» قائمة، على الرغم من النتيجة السلبية للقراءة الرئيسية لبيانات NFP.
مع ذلك، قد تميل الكفّة لصالح «الحمائم» في ضوء الإصدارات القادمة، خاصة إذا جاءت الأرقام في المنطقة السلبية.
لنبدأ بالتضخم. يوم الأربعاء 11 مارس، سنطّلع على قراءة مؤشر أسعار المستهلك (CPI) لشهر فبراير. كما هو معروف، يُعد هذا المؤشر واحدًا من أهم مؤشرات التضخم، والذي تباطأ بشكل ملحوظ في يناير. فقد تراجع مؤشر الأسعار العام إلى 2.4% على أساس سنوي (من 2.7% سابقًا)، بينما انخفض مؤشر الأسعار الأساسي إلى 2.5% (من 2.6% سابقًا).
ووفقًا لمعظم توقعات المحللين، من المنتظر أن "يتسارع" مؤشر أسعار المستهلك العام في فبراير قليلًا إلى 2.5%، في حين يُتوقَّع أن يبقى مؤشر الأسعار الأساسي عند مستوى يناير نفسه البالغ 2.5%.
من الضروري التذكير بحركة مؤشر أسعار المنتجين (PPI) في يناير. فقد قفز مؤشر الأسعار الأساسي للمنتجين في يناير إلى 3.6% على أساس سنوي، خلافًا للتوقعات التي رجّحت تراجعه إلى 3.0%. ويشير تركيب هذا التقرير إلى ارتفاع حاد في الفئات المرتبطة بخدمات الأعمال (اللوجستيات، التأمين، التدقيق). وكما نعلم، تُحمَّل هذه التكاليف على السعر النهائي تقريبًا لأي سلعة استهلاكية. وهذا يعني أن زيادات الأسعار بدأت تتغلغل بعمق أكبر في الاقتصاد — في تكلفة الخدمات والمعدات والمواد. وعادةً ما يسبق الضغط التضخمي عند مستوى المنتجين ارتفاعًا في أسعار المستهلكين، ومن ثم قد يأتي تقرير مؤشر أسعار المستهلك لشهر فبراير في المنطقة الإيجابية، ما يوفر دعمًا إضافيًا للدولار.
لكن إذا تحرك مؤشر أسعار المستهلك بشكل مفاجئ باتجاه مستوى 2% المستهدف، فسيتعرض الدولار لضغوط — ليس فقط بسبب خيبة التوقعات، بل أيضًا على خلفية التصريحات الأخيرة لبعض ممثلي الاحتياطي الفيدرالي.
أذكّر هنا بأن رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، John Williams — وهو أحد أكثر أعضاء الاحتياطي الفيدرالي نفوذًا — أطلق هذا الأسبوع رسائل تميل إلى التيسير، داعيًا إلى مزيد من تخفيف السياسة النقدية. وبحسب قوله، يجب على البنك المركزي ألّا يسمح بأن "تصبح السياسة النقدية متشددة دون قصد". كما أعرب عن قلقه حيال وضع سوق العمل الأميركية، قائلًا إنها "في حالة نشاط منخفض"، في إشارة إلى مخاطر كامنة لتباطؤ الاقتصاد.
ومن الجدير بالذكر أن تصريحات Williams هذه صدرت قبل نشر بيانات وظائف القطاعات غير الزراعية لشهر فبراير، والتي أظهرت تراجعًا في التوظيف بمقدار 90 ألف وظيفة وارتفاعًا في معدل البطالة إلى 4.4%.
في ضوء هذا "التمهيد"، يكتسب تقرير مؤشر أسعار المستهلك لشهر فبراير أهمية خاصة — فإذا جاء الإصدار في المنطقة السلبية، سيعود السوق من جديد لمناقشة احتمالات خفض سعر الفائدة في اجتماع يونيو.
وينطبق الأمر ذاته على مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE)، الذي سنعرف قراءة يناير له يوم الجمعة 13 مارس. وكما هو معلوم، يُعد هذا المؤشر الأهم بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم. وقد تسارع في ديسمبر إلى 3.0% على أساس سنوي، ويتوقع المحللون ارتفاعه أكثر إلى 3.1% في يناير. وإذا تراجع هذا المؤشر بشكل مفاجئ (أي انخفض إلى نطاق 2–3%)، فسيتعرض الدولار لضغوط قوية.
ستؤثر بيانات سوق العمل الأميركية أيضًا في زوج اليورو/دولار EUR/USD، مثل تقرير طلبات إعانة البطالة. فمع نهاية الأسبوع الحالي، يُتوقَّع أن ترتفع طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 216 ألف طلب. وقد ظل المؤشر مستقرًا تقريبًا عند هذا المستوى خلال الأسبوعين الماضيين (213 ألفًا). ولن يتعرض الدولار لضغط واضح إلا إذا تجاوزت القراءة مستوى 230 ألف طلب.
وفي اليوم التالي — الجمعة — ستُنشر بيانات JOLTS. وخلال الشهرين الماضيين، أظهر هذا المؤشر اتجاهاً هبوطيًا يعكس تباطؤًا في سوق العمل الأميركية. ففي ديسمبر، تراجع عدد الوظائف الشاغرة في القطاع الخاص إلى 6.54 مليون وظيفة فقط — وهو أدنى مستوى منذ سبتمبر 2020. كما انخفضت نسبة الوظائف الشاغرة إلى عدد العاطلين عن العمل إلى 0.87 (للمقارنة، في عام 2022 كان هناك في المتوسط وظيفتان شاغرتان لكل عاطل عن العمل).
وبحسب التوقعات، من المنتظر أن يُظهر مؤشر JOLTS لشهر يناير اتجاهًا صعوديًا ليصل إلى 6.84 مليون وظيفة شاغرة. ورغم أن هذا المستوى يظل منخفضًا نسبيًا بمعايير تاريخية، فإن مجرد عودة المؤشر للنمو يمكن أن يدعم الدولار. أما إذا استمر الاتجاه الهبوطي، فسيحصل مشترُو زوج EUR/USD على ورقة قوة أساسية إضافية.
كذلك سنتعرف يوم الجمعة على المراجعة الثانية لمعدل نمو الاقتصاد الأميركي في الربع الرابع من عام 2025. ووفقًا للتقدير الأول، نما الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 1.4% بعد نمو بلغ 4.4% في الربع الثالث. ويرجّح معظم الخبراء أن يتطابق التقدير الثاني مع الأول. أما إذا جرى تعديل النتيجة صعودًا خلافًا للتوقعات، فسيزداد الطلب على الدولار مع تعزز التوجهات المتشددة (Hawkish) في السوق.
وعليه، فإن الإصدارات الرئيسية في الأسبوع المقبل قد يكون لها تأثير ملحوظ في زوج اليورو/دولار EUR/USD. ففي الأسبوع الماضي، تحرك الزوج ضمن نطاق 1.1550 – 1.1640، مرتدًا صعودًا وهبوطًا من حدَّي القناة. وإذا جاءت التقارير المذكورة آنفًا بحسم واضح (أي دعمت الدولار بوضوح أو ضغطت عليه بوضوح)، فسيحاول البائعون والمشترون "اختراق" هذا النطاق السعري. أما إذا صدرت المؤشرات وفقًا للتوقعات أو عكست بيانات متعارضة (على سبيل المثال، تباطؤ في CPI مع ارتفاع في PCE)، فمن المرجح أن يبقى الزوج داخل النطاق السعري المذكور.